أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

492

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فائدة في ذلك ، فإن جعل « مِنَ الْخاسِرِينَ » حالا من ضمير الخبر وتكون حالا لازمة جاز ، وهو ضعيف في الإعراب ، وقد تقدّم نظير هذه الآية في البقرة عند قوله : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ « 1 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 6 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 6 ) قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ : قالوا تقديره : إذا أردتم القيام كقوله : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ « 2 » ، وهذا من إقامة المسبّب مقام السبب ، وذلك أنّ القيام متسبّب عن الإرادة والإرادة سببه . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم جاز أن يعبّر عن إرادة الفعل بالفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وهي قصده إليه وميله وخلوص داعيته ، فكما عبّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم : « الإنسان لا يطير ، والأعمى لا يبصر » أي : لا يقدران على الطير والإبصار ، ومنه قوله تعالى : نُعِيدُهُ ، وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ « 3 » أي : قادرين على الإعادة ، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل ؛ وذلك لأن الفعل مسبّب عن القدرة ، فأقيم المسبّب مقام السبب للملابسة بينهما ولإيجاز الكلام » . وقيل : تقديره : إذا قصدتم الصلاة ؛ لأنّ من توجّه إلى شيء وقام إليه كان فاسدا له فعبّر بالقيام عن القصد . والجمهور قدّروا حالا محذوفة من فاعل « قُمْتُمْ » ، أي : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ، إذ لا وضوء على غير المحدث ، وإن كان قال به جماعة ، قالوا : ويدلّ على هذه الحال المحذوفة مقابلتها بقوله : « وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا » فكأنه قيل : إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا كذا وامسحوا كذا ، وإن كنتم محدثين الحدث الأكبر فاغسلوا الجسد كله ، وهو محلّ نظر . قوله : إِلَى الْمَرافِقِ في « إِلَى » هذه وجهان ، أحدهما : أنها على بابها من انتهاء الغاية ، وفيها حينئذ خلاف ، فقائل : إنّ ما بعدها لا يدخل فيما قبلها ، وقائل بعكس ذلك ، وقائل : لا تعرّض لها في دخول ولا عدمه ، وإنما يدور الدخول والخروج مع الدليل وعدمه . وقائل : إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخل في الحكم وإلا فلا ، ويعزى لأبي العباس . وقائل : إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل ، وإن كان من جنسه فيحتمل الدخول وعدمه . وأول هذه الأقوال هو الأصحّ عند النحاة . قال بعضهم : وذلك أنّا حيث وجدنا قرينة مع « إِلَى » فإنّ تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبلها ، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن فينبغي أن يحمل على الأمر الفاشي الكثير وهو الإخراج ، وفرّق هذا القائل بين « إِلَى » و « حتى » فجعل « حتى » تقتضي الإدخال ، و « إلى » تقتضي الاخراج بما

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 130 ) . ( 2 ) سورة النحل ، الآية ( 98 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 104 ) .